تقييم المواهب في الدول العربية: ما بعد الأدوات… نحو قرارات أكثر نضجاً

أصبحت أدوات تقييم المواهب اليوم أكثر تطوراً من أي وقت مضى. فالاختبارات النفسية، ومراكز التقييم، وأطر الكفاءات القيادية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسات العديد من المؤسسات في القطاعين العام والخاص. ومع ذلك، فإن جودة القرارات التي تُبنى على هذه الأدوات لا تعتمد عليها وحدها.

ففي كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة في كيفية قياس المواهب، بل في كيفية تفسير ما تكشفه نتائج التقييم.

على مدار أكثر من خمسة عشر عاماً، أتيحت لي فرصة إجراء ومراجعة أكثر من ألفي تقييم للقيادات في جهات حكومية، وشركات عائلية، ومؤسسات دولية تعمل في المنطقة. وخلال هذه الفترة، شهدت الأدوات والمنهجيات المستخدمة تطوراً ملحوظاً، وأصبحت أكثر دقة ونضجاً. إلا أن أكثر الأخطاء التي لاحظتها لم تكن أخطاءً في القياس، بل في تفسير النتائج واتخاذ القرارات بناءً عليها.

وهنا يبرز السؤال الأهم: ليس ما إذا كنا نقيس المواهب بصورة صحيحة، بل ما إذا كنا نفهم حقاً ما الذي تقيسه هذه الأدوات.

هل تكفي الأدوات لتحقيق الموضوعية؟

لا شك أن استخدام أدوات تقييم منظمة يسهم في زيادة الاتساق بين المقيمين، ويحد من كثير من أشكال التحيز الفردي. لكن الموضوعية لا تتحقق بمجرد استخدام اختبار نفسي أو إطار كفاءات معتمد.

فالبيانات وحدها لا تكفي؛ إذ تبقى قيمتها رهناً بكيفية تفسيرها.

بل تحتاج إلى قراءة دقيقة تأخذ في الاعتبار السياق التنظيمي، وثقافة المؤسسة، وطبيعة الدور القيادي، وحتى توقعات أصحاب القرار.

وتزداد أهمية ذلك في المؤسسات العاملة في الدول العربية، التي تشهد تحولات متسارعة في ظل برامج التنمية الوطنية، والتحول الاقتصادي، والتحول الرقمي، والاستثمار المتزايد في بناء القيادات. وفي مثل هذه البيئات، لم يعد النجاح القيادي يعتمد فقط على المحافظة على الاستقرار، بل يتطلب أيضاً القدرة على قيادة التغيير بفاعلية.

ورغم ذلك، لا تزال بعض المؤسسات تعتمد نماذج للكفاءات طُورت في سياقات مختلفة، ثم تُطبق كما هي، دون التحقق من مدى انسجامها مع الواقع القيادي في المنطقة.

وهنا تبرز أسئلة تستحق التأمل:

  • هل نبالغ في تقدير الحزم، ونغفل أهمية التأثير وبناء العلاقات؟
  • هل نخلط بين الطلاقة في اللغة الإنجليزية والقدرة على التفكير الاستراتيجي؟
  • هل نعتبر الثقة بالنفس دليلاً على الجاهزية لتولي أدوار قيادية أكبر؟

هذه ليست أخطاء في الأدوات، بل في الأحكام التي نبنيها عليها. وربما لهذا السبب، لا يكفي تطوير أدوات التقييم ما لم يترافق مع تطوير القدرة على تفسير نتائجها واتخاذ أحكام أكثر دقة.

الأداء المرتفع لا يعني بالضرورة إمكانات مرتفعة

من أكثر الأخطاء شيوعاً في قرارات الترقية افتراض أن أفضل من يحقق النتائج اليوم سيكون بالضرورة أفضل من يقود المؤسسة غداً.

في بيئات العمل سريعة النمو، كثيراً ما تتم ترقية أصحاب الأداء المرتفع، أحياناً تقديراً لإنجازاتهم، وأحياناً استجابةً لضغوط العمل. لكن النجاح في دور تشغيلي واضح المعالم لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق النجاح في أدوار تتطلب التعامل مع الغموض، وصنع القرار في ظل معلومات غير مكتملة، وقيادة التغيير.

وتشير الأدبيات العلمية باستمرار إلى وجود فرق بين مؤشرات الأداء ومؤشرات الإمكانات المستقبلية. فالإمكانات ترتبط بخصائص مثل سرعة التعلم، والمرونة المعرفية، والقدرة على تنظيم الانفعالات، والتفكير المنظومي. وهذه الجوانب غالباً ما تكون أكثر قدرة على التنبؤ بالنجاح القيادي مستقبلاً، لكنها في الوقت نفسه أكثر تعقيداً في القياس والتفسير.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه المؤسسات على نفسها هو:

هل نكافئ ما أثبت نجاحه في الماضي، أم نستثمر فيما سيصنع النجاح في المستقبل؟

الثقافة ليست تفصيلاً ثانوياً

نادراً ما تكون المؤسسات العاملة في الدول العربية متجانسة ثقافياً. ففي المؤسسة الواحدة قد يعمل قادة وموظفون من خلفيات وطنية وثقافية متنوعة، ولكل منهم تصور مختلف لما تعنيه القيادة الفاعلة.

فما قد يُنظر إليه على أنه حسم في موقف معين، قد يراه آخرون اندفاعاً.

وما يبدو تحفظاً أو هدوءاً في سياق ما، قد يعكس في سياق آخر وعياً سياسياً أو نضجاً في إدارة العلاقات.

ولهذا، فإن فهم السياق الثقافي ليس إضافة اختيارية في تقييم القيادات، بل جزء أساسي من جودة التقييم نفسه.

فالممارسة المبنية على الأدلة لا تعني تطبيق النماذج العالمية بصورة جامدة، وإنما تعني توظيف الأدلة العلمية في ضوء السياق الذي تُتخذ فيه القرارات.

عندما تتداخل السياسة مع تقييم المواهب

لا تُتخذ قرارات المواهب في فراغ.

فالأولويات الاستراتيجية، واعتبارات أصحاب المصلحة، وثقافة المؤسسة، وطبيعة الحوكمة، وحتى متطلبات التوطين وتنمية الكفاءات الوطنية، كلها عوامل تؤثر في كيفية تفسير نتائج التقييم.

هذه الاعتبارات ليست مشكلة بحد ذاتها؛ فهي جزء طبيعي من عمل أي مؤسسة معقدة.

لكن التحدي يبدأ عندما يتحول التقييم إلى إجراء شكلي؛ يُنفذ لأنه مطلوب، دون أن يكون له أثر حقيقي في قرارات التطوير أو الترقية أو التعاقب الوظيفي.

عندها، تصبح عملية التقييم وسيلة للامتثال، لا لبناء القدرات.

نحو قرارات أكثر نضجاً

مع استمرار التحولات التي تشهدها المؤسسات في الدول العربية، ستتغير متطلبات القيادة بوتيرة أسرع من كثير من نماذج الكفاءات الحالية.

ولن تكون المؤسسات الأكثر نجاحاً هي تلك التي تمتلك أحدث أدوات التقييم، بل تلك التي تمتلك القدرة على مراجعة افتراضاتها باستمرار؛ افتراضاتها حول الأداء، والإمكانات، والجاهزية، والثقافة، وما يعنيه النجاح القيادي في المستقبل.

وربما يكون السؤال الأهم ليس:

هل نمتلك أدوات لتقييم المواهب؟

بل:

هل نستخدم هذه الأدوات لتوسيع فهمنا وتحدي افتراضاتنا، أم فقط لتأكيد ما نعتقده مسبقاً؟

من واقع خبرتي، يبدو الفرق بين هذين النهجين بسيطاً في البداية، لكنه مع مرور الوقت يصنع الفارق بين مؤسسة تستثمر في بناء قياداتها بصورة منهجية ومستدامة، وأخرى لا تكتشف نقاط الضعف في خطها القيادي إلا عندما تصبح تكلفة معالجتها أعلى بكثير.