شهدت العقود الأخيرة تطوراً كبيراً في مجال تطوير القيادات، وأصبحت المؤسسات في مختلف أنحاء العالم تعتمد على نماذج وأطر علمية تستند إلى عقود من البحث والتطبيق. وقد أسهمت هذه النماذج في بناء برامج تطوير أكثر منهجية ووضوحاً، كما وفرت لغة مشتركة لفهم السلوك القيادي وتقييمه.
ولا تكمن المشكلة في الاستفادة من هذه النماذج.
بل تبدأ عندما يقتصر التعامل معها على نقلها كما هي، دون التساؤل عن مدى ملاءمتها للسياق الذي ستُطبق فيه.
فعلى امتداد سنوات عملي، لم أجد أن برامج تطوير القيادات تفشل لأنها تفتقر إلى الجودة أو إلى الأسس العلمية. بل إن كثيراً منها كان مصمماً بعناية، ويستند إلى أفضل الممارسات العالمية. لكن ما كان يغيب في أحيان كثيرة هو مواءمة هذه البرامج مع الواقع الثقافي والتنظيمي الذي يعمل فيه القادة.
وهذه ليست مسألة هامشية.
بل قد تكون العامل الذي يحدد ما إذا كان البرنامج سيترك أثراً حقيقياً، أم سيظل تجربة تدريبية جيدة لا تنعكس على الممارسة اليومية.
القيادة لا تُقاس بالسلوك فقط… بل بكيفية تفسيره
لا تكتسب السلوكيات القيادية معناها بمعزل عن البيئة التي تُمارس فيها. فما يُنظر إليه على أنه قيادة فاعلة في سياق معين، قد يُفسر بصورة مختلفة تماماً في سياق آخر.
لنأخذ التواصل مثالاً.
تركز كثير من النماذج العالمية على الشفافية، والصراحة، والقدرة على التعبير المباشر عن الرأي، بوصفها مؤشرات على القيادة الفاعلة. وفي بعض البيئات، ترتبط هذه السلوكيات بالثقة والحسم. أما في بيئات أخرى، فقد تُفهم بصورة مختلفة، وقد تؤثر في التوازنات والعلاقات التي يقوم عليها العمل.
وفي العديد من المؤسسات في الدول العربية، لا تستند القيادة إلى السلطة الرسمية وحدها، بل تتشكل أيضاً من خلال الثقة، والعلاقات، والقدرة على فهم التوقعات الاجتماعية والتنظيمية.
ولهذا، فإن نجاح القائد لا يعتمد فقط على جودة قراراته، بل أيضاً على الطريقة التي تُستقبل بها هذه القرارات من قبل الآخرين.
وعندما تركز برامج التطوير على السلوكيات القيادية بمعزل عن كيفية تفسيرها داخل المؤسسة، فإنها قد تُخرج قادة يمتلكون المهارات المطلوبة، لكنهم يجدون صعوبة في توظيفها بفاعلية داخل بيئاتهم.
فالقضية ليست من هو على صواب ومن هو على خطأ.
بل مدى ملاءمة السلوك للسياق الذي يُمارس فيه.
عندما تصطدم برامج التطوير بواقع المؤسسة
من أكثر الأنماط التي ألاحظها في برامج تطوير القيادات، الفجوة بين ما يُطلب من القادة تعلمه، وما تسمح لهم مؤسساتهم بتطبيقه.
تدعو البرامج الحديثة إلى تمكين الفرق، وتوزيع الصلاحيات، وتشجيع الحوار المفتوح، وتقديم التغذية الراجعة إلى المستويات الإدارية الأعلى. وجميعها ممارسات مهمة، بل وضرورية في كثير من الحالات.
لكن الواقع التنظيمي لا يكون دائماً مهيأً لتطبيقها.
ففي بعض المؤسسات، لا تزال عملية اتخاذ القرار شديدة المركزية، كما أن الاعتبارات التنظيمية أو السياسية قد تحد من مساحة المبادرة أو النقاش.
وهنا يعود القائد من البرنامج التدريبي مقتنعاً بما تعلمه، لكنه يكتشف أن بيئة العمل لا تمنحه المساحة الكافية لممارسته.
ومع مرور الوقت، تنشأ فجوة صامتة بين ما يُكافأ داخل قاعة التدريب، وما يُكافأ داخل المؤسسة.
وحينها، تصبح برامج التطوير طموحة في أهدافها، لكنها محدودة في أثرها.
وربما يكون السؤال الأهم هو:
هل نطور سلوكيات قيادية بمعزل عن الواقع، أم نطور قيادات قادرة على النجاح داخل أنظمتها؟
تعقيد لا تصنعه الثقافة وحدها
لا يقتصر التنوع في المؤسسات العاملة في الدول العربية على اختلاف الخلفيات الثقافية، بل يمتد أيضاً إلى اختلاف الأجيال، والخبرات، وأنماط القيادة.
فالقادة الشباب قد يتوقعون تواصلاً أكثر انفتاحاً، ومسارات أسرع للنمو المهني، بينما قد يكون لدى القيادات الأكثر خبرة تصورات مختلفة تشكلت عبر سنوات من العمل في بيئات أكثر هرمية.
وعندما نضيف إلى ذلك وجود قيادات من جنسيات وخلفيات مهنية متعددة، يصبح تطوير القيادة أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى.
ولهذا، لا يمكن لبرامج التطوير أن تفترض وجود جمهور واحد أو أسلوب واحد يناسب الجميع.
بل ينبغي أن تساعد القادة على التنقل بين هذه الاختلافات، وتكييف أساليب التواصل والتأثير واتخاذ القرار بما يتناسب مع كل موقف، دون أن يفقدوا وضوح الرؤية أو الاتساق في القيادة.
من نقل النماذج إلى ترجمتها
لا تزال النماذج العالمية في تطوير القيادات تمثل مصدراً مهماً للمعرفة. فالكفاءات مثل المرونة المعرفية، والاتزان الانفعالي، والتفكير الاستراتيجي، أثبتت قيمتها في كثير من البيئات.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
هل ينبغي أن نستخدم هذه النماذج؟
بل:
كيف نوظفها بطريقة تعكس واقع مؤسساتنا؟
وهذا يتطلب طرح أسئلة قد لا تكون مريحة دائماً:
- ما السلوكيات القيادية التي ترتبط فعلاً بالنجاح في مؤسساتنا؟
- هل نُقيّم القادة بناءً على جوهر أدائهم، أم بناءً على أسلوبهم في الظهور؟
- ما العوامل غير الرسمية التي تؤثر في نجاح القيادة، ولا تعكسها أطر الكفاءات الحالية؟
المؤسسات التي تطرح هذه الأسئلة لا تكتفي بتطبيق أفضل الممارسات العالمية، بل تطور فلسفتها القيادية الخاصة؛ فلسفة تستفيد من المعرفة العالمية، لكنها تنطلق من واقعها التنظيمي والثقافي.
أما المؤسسات التي تكتفي بنقل النماذج كما هي، فقد تنجح في تنفيذ برامج تطوير متقنة، لكنها قد تجد صعوبة في تحقيق تغيير سلوكي مستدام.
نحو تطوير قيادي أكثر ارتباطاً بالواقع
مع استمرار التحولات التي تشهدها الدول العربية، سيظل تطوير القيادات أحد أهم الاستثمارات التي تعتمد عليها المؤسسات لبناء مستقبلها.
لكن المؤسسات التي ستحقق الأثر الأكبر لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكثر البرامج تطوراً أو أكثر المناهج تعقيداً.
بل تلك التي تمتلك الشجاعة لمواءمة تصميم برامجها مع واقعها الثقافي والتنظيمي.
فالنماذج القيادية يمكن نقلها.
أما فاعلية القيادة، فلا تتحقق إلا عندما تُترجم إلى واقع المؤسسة وسياقها.