أصبحت تحليلات البيانات تحتل مساحة متزايدة في تقييم المواهب.
فتستثمر المؤسسات في المنصات الرقمية ولوحات البيانات، أملاً في الوصول إلى تقييم أكثر موضوعية ودقة.
والفكرة تبدو منطقية:
كلما توفرت لدينا بيانات أفضل، استطعنا اتخاذ قرارات أفضل.
لكن العلاقة بين الاثنين ليست بهذه البساطة.
فقيمة البيانات في تقييم المواهب لا تعتمد فقط على دقة الأدوات أو كمية المعلومات التي توفرها.
بل على قدرتنا على فهم ما تعنيه تلك البيانات، وما لا تعنيه.
جاذبية التقييم المبني على البيانات
لا يأتي التوجه نحو استخدام البيانات في تقييم المواهب من فراغ.
فكلما ازدادت المؤسسات حجماً وتعقيداً، أصبح الاعتماد على الحكم الشخصي وحده أكثر صعوبة.
تبحث القيادات عن قدر أكبر من الاتساق.
وتبحث إدارات الموارد البشرية عن أسس واضحة يمكن الدفاع عنها.
ويبحث متخذو القرار عن قدر أكبر من الوضوح.
وهنا تمنح البيانات شعوراً بالهيكل.
فيمكن جمع نتائج التقييم، ودرجات الجدارات، ومخرجات الاختبارات السيكومترية، ومؤشرات الأداء، ثم مقارنتها وتحليلها.
ويمكن اكتشاف أنماط، وبناء معايير للمقارنة، ورؤية علاقات قد لا تكون واضحة من خلال الملاحظة وحدها.
وهذا كله له قيمة حقيقية.
لكنه قد يمنحنا أيضاً شعوراً بالدقة يفوق ما تسمح به البيانات فعلياً.
فدقة القياس لا تعني بالضرورة دقة التفسير.
عندما تحل البيانات محل الحكم
من أهم المخاطر في تقييم المواهب أن تتحول البيانات من مدخل يدعم الحكم إلى بديل عنه.
فالدرجات والأرقام والتصنيفات تمنح انطباعاً بالوضوح.
يحصل شخص على درجة مرتفعة في بُعد معين، فنتعامل مع الدرجة وكأنها وصف كامل لقدراته.
ويتطابق ملف شخص آخر مع معيار محدد، فنفترض أن هذا التطابق يخبرنا بما سيفعله مستقبلاً.
ومع تكرار ذلك، قد تبدأ القرارات بالاعتماد على المخرجات أكثر من اعتمادها على فهم الشخص والسياق الذي يعمل فيه.
وهنا تضيع التفاصيل التي تمنح البيانات معناها.
في أي سياق جرى التقييم؟
كيف يتصرف الشخص تحت الضغط؟
هل تظهر قدراته بالطريقة نفسها أمام مواقف وأشخاص مختلفين؟
وكيف تتفاعل جداراته المختلفة عندما يواجه موقفاً معقداً؟
قد يكون من الصعب اختزال الإجابات عن هذه الأسئلة في رقم.
لكنها ضرورية لفهم القدرة الفعلية.
ومن دونها، قد تتحول البيانات من أداة تساعدنا على رؤية الصورة بوضوح أكبر إلى أداة تختزل واقعاً أكثر تعقيداً.
البيانات لا تتحدث من تلقاء نفسها
لا توجد البيانات بمعزل عن السياق.
فمعناها يتشكل من خلال الظروف التي أُنتجت فيها والطريقة التي نستخدمها بها.
وفي كثير من المؤسسات في الدول العربية، يحدث تقييم المواهب داخل بيئات تتداخل فيها عوامل ثقافية وتنظيمية متعددة، وتتغير فيها الهياكل والتوقعات بوتيرة متسارعة.
وفي مثل هذه البيئات، لا تتحدد فاعلية القائد بما يمتلكه من قدرات فقط.
بل أيضاً بالطريقة التي يستطيع بها توظيف هذه القدرات داخل سياق محدد.
فالحصول على درجة مرتفعة في التواصل، على سبيل المثال، لا يعني بالضرورة القدرة على التأثير في أصحاب المصلحة.
كما أن التقييم المرتفع في التفكير الاستراتيجي لا يضمن قدرة الشخص على ربط رؤيته بأولويات المؤسسة وتحويلها إلى قرارات قابلة للتنفيذ.
فالرقم قد يخبرنا بشيء مهم.
لكنه لا يخبرنا دائماً ماذا يعني ذلك الشيء في الواقع.
وهنا يصبح السياق جزءاً من التفسير، لا مجرد خلفية له.
التكنولوجيا لا تلغي التحيز
من الوعود المرتبطة باستخدام البيانات في تقييم المواهب أنها تقلل من أثر التحيز البشري.
وهذا ممكن بالفعل.
فاستخدام معايير واضحة وأدوات منظمة يمكن أن يحد من بعض أشكال الحكم غير المتسق أو الانطباعات الشخصية.
لكن التكنولوجيا لا تجعل التقييم محايداً بصورة تلقائية.
فالبيانات نفسها تعكس قرارات بشرية سابقة.
ما الذي قررنا قياسه؟
كيف عرّفنا النجاح؟
من هم الأشخاص الذين بُنيت عليهم معايير المقارنة؟
وما الافتراضات التي دخلت في تصميم النموذج؟
إذا كانت هذه الافتراضات غير مكتملة أو غير ملائمة للسياق، فقد تعيد الأداة إنتاجها بصورة أكثر اتساقاً بدلاً من تصحيحها.
وتزداد أهمية ذلك عندما تُستخدم أدوات أو معايير طُورت في سياقات مختلفة ثقافياً وتنظيمياً عن البيئة التي يجري تطبيقها فيها.
فالتحيز لا يختفي بالضرورة عندما نضعه داخل نموذج.
وقد يصبح فقط أقل وضوحاً.
قراءة الإشارات مجتمعة
نادراً ما يعتمد تقييم المواهب الجيد على مصدر واحد للمعلومات.
فتاريخ الأداء، ومراكز التقييم، والأدوات السيكومترية، والمقابلات، وتقييمات القيادة، كلها تكشف جوانب مختلفة من الشخص.
والتحدي الحقيقي ليس في جمع المزيد من البيانات.
بل في معرفة كيف نربط بينها.
فالاعتماد المفرط على المؤشرات الكمية قد يجعلنا نفقد بعض التفاصيل السلوكية المهمة.
وفي المقابل، قد تكون الملاحظات النوعية غنية بالتفاصيل، لكنها أكثر عرضة للاختلاف في التفسير.
ولهذا، لا تكمن قوة التقييم في اختيار أحدهما على حساب الآخر.
بل في دمج الإشارات المختلفة، وفهم مواضع اتفاقها واختلافها، وما تكشفه مجتمعة عن قدرات الشخص وإمكاناته.
فالقدرة متعددة الأبعاد.
ولا يوجد مقياس واحد يستطيع أن يختصرها بالكامل.
الأداة لا تكون أفضل من المنظومة التي تستخدمها
يمكن للمؤسسة أن تستثمر في أدوات متقدمة للغاية، دون أن تتحسن قراراتها بالمستوى نفسه.
فالقيمة لا تأتي من التقنية وحدها.
بل من قدرة الأشخاص والمنظومة المحيطة بها على استخدامها بصورة جيدة.
هل يفهم متخذو القرار ما تقيسه البيانات فعلياً؟
وهل يعرفون حدود ما يمكن استنتاجه منها؟
هل يمتلك المقيمون القدرة على تفسير النتائج بصورة نقدية؟
وهل توجد مساحة لمناقشة النتائج، وتحديها، وربطها بالسياق قبل اتخاذ القرار؟
إذا غابت هذه العناصر، فقد تنتج أكثر الأدوات تطوراً تقارير أكثر تفصيلاً، دون أن تنتج بالضرورة قرارات أفضل.
وهنا يصبح الاستثمار في قدرة المؤسسة على تفسير البيانات لا يقل أهمية عن الاستثمار في الأدوات التي تنتجها.
البيانات أداة وليست قراراً
لا شك أن لتحليلات البيانات دوراً مهماً في تقييم المواهب.
فهي تساعد على تنظيم المعلومات، وتحسين الاتساق، واكتشاف الأنماط، ودعم المؤسسات التي تحتاج إلى اتخاذ قرارات على نطاق واسع.
لكنها لا تلغي الحاجة إلى الحكم.
بل تجعل جودة هذا الحكم أكثر أهمية.
ومع ازدياد حجم المؤسسات في الدول العربية وتعقيدها، وتطور متطلبات القيادة فيها، يصبح من الضروري ألا نخلط بين امتلاك المزيد من البيانات وامتلاك فهم أفضل للمواهب.
فالسؤال ليس فقط: ماذا تقول لنا البيانات؟
بل أيضاً: ما الذي نستطيع أن نستنتجه منها فعلاً؟
فالبيانات تستطيع أن تجعل القرار أكثر استنارة.
لكنها لا تستطيع أن تتخذ القرار نيابة عنا.
وفي تقييم المواهب، تكمن القيمة في معرفة الفرق بين الاثنين.