برامج تطوير القيادات: عندما لا يكفي المحتوى

تستثمر المؤسسات كثيراً في برامج تطوير القيادات.

فتُصمم البرامج لبناء القدرات، وإعداد القيادات المستقبلية، ودعم نمو المؤسسة وتحولها. وغالباً ما تستند إلى نماذج معروفة، وأطر للجدارات، وممارسات مدعومة بالبحث والخبرة العالمية.

ومن حيث المبدأ، توفر هذه البرامج مساراً واضحاً لتطوير القادة.

لكن أثرها في الواقع يختلف بدرجة كبيرة.

ولا يكمن الفرق دائماً في جودة المحتوى.

بل في مدى ارتباط البرنامج بالسياق الذي سيعود إليه القائد ليطبق ما تعلمه.

المحتوى الجيد لا يكفي

قد يكون برنامج تطوير القيادات مصمماً بعناية.

يتناول التفكير الاستراتيجي، والتواصل، والذكاء العاطفي، واتخاذ القرار. وتكون جلساته منظمة، ومواده شاملة، ويقدمها ميسرون ذوو خبرة.

ومع ذلك، قد يعود المشاركون إلى أدوارهم دون أن يتغير الكثير في طريقة قيادتهم.

المشكلة هنا ليست بالضرورة فيما تعلموه.

بل فيما يحدث عندما يحاولون تطبيقه.

فالقيادة لا تُمارس بمعزل عن البيئة المحيطة بها.

بل داخل هياكل تنظيمية، وعلاقات، وتوقعات ثقافية، وضغوط تشغيلية تحدد إلى حد كبير ما يستطيع القائد فعله وكيف يستطيع فعله.

وعندما لا يأخذ البرنامج هذه العوامل في الاعتبار، قد يبقى التعلم على المستوى المفاهيمي.

يفهم القائد الفكرة.

لكن تحويلها إلى ممارسة يصبح أكثر صعوبة.

عندما يقول البرنامج شيئاً والبيئة شيئاً آخر

من التحديات المتكررة في تطوير القيادات وجود فجوة بين السلوكيات التي يشجع عليها البرنامج وتلك التي تسمح بها بيئة العمل أو تعززها.

فقد يدعو البرنامج إلى تمكين الفرق، والحوار المفتوح، وتوزيع صلاحيات اتخاذ القرار.

وهي ممارسات لها قيمة واضحة.

لكن تطبيقها لا يحدث بالطريقة نفسها في كل مؤسسة.

فقد تكون الصلاحيات في بعض المؤسسات أكثر مركزية، وتكون الحدود بين المستويات الإدارية أكثر وضوحاً. وقد تتطلب بعض البيئات قدراً أكبر من الحساسية تجاه المكانة والتسلسل الإداري، أو طريقة مختلفة في إدارة الخلاف والتأثير في أصحاب المصلحة.

وهذا لا يعني أن مفاهيم مثل التمكين أو الحوار المفتوح غير مناسبة لهذه البيئات.

بل يعني أن طريقة التعبير عنها وتطبيقها تحتاج إلى فهم السياق.

وهنا قد تظهر المشكلة.

يفهم المشاركون ما تعلموه داخل البرنامج، لكنهم يعودون إلى بيئة تعمل وفق توقعات مختلفة.

ومع مرور الوقت، قد يتعلم القائد مجموعة من السلوكيات داخل قاعة التدريب، ثم يعود إلى ممارسة مجموعة أخرى في عمله اليومي.

كيف تبدو القيادة الفاعلة هنا؟

ربما يكون السؤال الأهم عند تصميم برنامج لتطوير القيادات ليس:

ما المواضيع التي ينبغي أن يتضمنها البرنامج؟

بل:

كيف تبدو القيادة الفاعلة في هذه المؤسسة تحديداً؟

الإجابة عن هذا السؤال تتطلب فهماً يتجاوز محتوى البرنامج نفسه.

كيف تُتخذ القرارات؟

أين توجد السلطة الفعلية؟

ما الأولويات الاستراتيجية للمؤسسة؟

ما طبيعة العلاقات بين المستويات والوظائف المختلفة؟

وما العوامل الثقافية والتنظيمية التي تؤثر في الطريقة التي يمارس بها القادة أدوارهم؟

عندما نفهم هذه البيئة، يمكننا أن نحدد بصورة أفضل كيف ينبغي أن يُترجم المحتوى إلى ممارسة.

وقد يعني ذلك تعديل طريقة التعبير عن بعض الجدارات، أو استخدام حالات تحاكي تحديات حقيقية من بيئة المشاركين، أو الاستعانة بأمثلة أقرب إلى واقعهم، أو تصميم تطبيقات ترتبط مباشرة بالقرارات التي يواجهونها في أدوارهم.

فالهدف ليس التخلي عن النماذج والممارسات العالمية.

بل ترجمتها إلى سلوك له معنى داخل السياق الذي يعمل فيه القائد.

التعرض للمفاهيم ليس خبرة

من القيود الأخرى في كثير من برامج تطوير القيادات أنها تمنح المشاركين فرصة للتعرف إلى مفاهيم جديدة، لكنها لا تمنحهم دائماً الخبرة اللازمة لتحويلها إلى قدرة.

فورش العمل والجلسات التدريبية والنقاشات قد توسع فهم القائد وتجعله يرى الأمور بطريقة مختلفة.

لكن المعرفة وحدها لا تغير السلوك بصورة مستدامة.

فالقدرة القيادية تتطور من خلال الممارسة.

من خلال قيادة مبادرة حقيقية.

واتخاذ قرار له تبعات فعلية.

والتعامل مع أصحاب مصلحة لديهم مصالح متعارضة.

والعمل في موقف لا تتوافر فيه إجابة واضحة.

ولهذا، تكون برامج التطوير أكثر قيمة عندما تربط التعلم بالتطبيق من خلال المشاريع، والمحاكاة، والمهام العملية، والمسؤوليات التي تمنح المشاركين فرصة لاختبار ما تعلموه.

فالفرق كبير بين أن يعرف القائد كيف ينبغي أن يتصرف، وأن يكون قادراً على فعل ذلك عندما يصبح الموقف حقيقياً.

ما يحدث بعد البرنامج

لا ينتهي تطوير القيادة بانتهاء آخر جلسة.

فقد يكون البرنامج ممتازاً، لكن أثره يتراجع سريعاً إذا عاد المشاركون إلى بيئة لا تدعم ما تعلموه.

هل يمنحهم مديروهم مساحة لتجربة أساليب جديدة؟

هل يحصلون على فرص لاستخدام القدرات التي طوروها؟

هل تتسق الرسائل التي يسمعونها في البرنامج مع السلوكيات التي تكافئها المؤسسة فعلياً؟

وهل توجد متابعة تساعدهم على التعلم من نجاحاتهم وأخطائهم؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غير واضحة، فقد يفقد البرنامج زخمه مهما كانت جودته.

وتزداد أهمية ذلك في المؤسسات التي تمر بنمو أو تحول سريع، حيث قد تتغير التوقعات والهياكل بوتيرة أسرع من قدرة الممارسات الإدارية على مواكبتها.

فتكون برامج التطوير موجودة.

لكن المنظومة المحيطة بها لا تعزز السلوكيات التي تحاول هذه البرامج بناءها.

من البرامج إلى منظومة التطوير

ربما نحتاج أيضاً إلى إعادة النظر في الطريقة التي نتحدث بها عن تطوير القيادات.

فإذا تعاملنا معه باعتباره سلسلة من البرامج، يصبح من السهل قياسه بعدد المشاركين، وساعات التدريب، والبرامج التي تم تنفيذها.

لكن هذه المؤشرات لا تخبرنا بالضرورة ما إذا كانت القدرة القيادية قد تطورت فعلاً.

فتطوير القيادات يرتبط بتقييم المواهب، والتعاقب القيادي، وإدارة الأداء، والفرص التي يحصل عليها الأشخاص خلال مسيرتهم المهنية.

وعندما تعمل هذه العناصر معاً، يصبح التطوير عملية مستمرة.

فنتعرف إلى الاحتياجات من خلال التقييم.

ونربطها بخبرات وفرص تطوير مناسبة.

ونتابع كيف تظهر في الأداء.

ونستخدم ما نتعلمه لاتخاذ قرارات أفضل بشأن المسؤوليات المستقبلية.

أما عندما تعمل هذه العمليات بصورة منفصلة، فقد يكون لدينا الكثير من أنشطة التطوير دون أن نبني بالضرورة قدرة قيادية مستدامة.

التصميم من أجل الأثر

يمكن لبرامج تطوير القيادات أن تسهم بصورة كبيرة في بناء قدرة المؤسسة.

لكن قيمتها لا تتحدد فقط بجودة المحتوى، أو قوة النموذج، أو خبرة من يقدم البرنامج.

بل بمدى قدرة البرنامج على الانتقال من قاعة التدريب إلى واقع العمل.

وفي المؤسسات في الدول العربية، حيث تتداخل الاعتبارات الثقافية والتنظيمية مع تحولات سريعة في الهياكل والأدوار والتوقعات، يصبح تصميم البرامج للسياق أكثر أهمية.

ليس لأن القيادة هنا تحتاج إلى مبادئ مختلفة بالضرورة.

بل لأن المبادئ لا تتحول إلى ممارسة بالطريقة نفسها في كل بيئة.

فالقيادة لا تتطور داخل قاعة التدريب وحدها.

بل تتطور عندما يطبق القائد ما تعلمه، ويختبره، ويعدله، ويتعلم من نتائجه داخل المؤسسة التي يقود فيها.

وهناك، في الممارسة لا في المحتوى وحده، يظهر أثر التطوير الحقيقي.