القيادة في مرحلة التحول: بين السلطة والمرونة وتغير التوقعات

كثيراً ما نتحدث عن تطور أساليب القيادة وكأنه مسار يسير في اتجاه واحد.

فتحل القيادة الحديثة محل الأساليب التقليدية، وتتراجع الهرمية أمام المشاركة، وتفسح السلطة المجال للتمكين.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.

فأساليب القيادة لا تختفي بالضرورة مع تغير المؤسسات والمجتمعات، بل تتداخل وتتطور، وتكتسب معاني جديدة استجابة للتحولات الاقتصادية والتنظيمية، وتغير توقعات الأجيال.

وهذا ما نشهده اليوم في العديد من المؤسسات في الدول العربية.

فالتحدي لم يعد في الاختيار بين قيادة “تقليدية” وأخرى “حديثة”، بل في قدرة القائد على الجمع بين ما تحتاجه المؤسسة من وضوح واستقرار، وما تتطلبه في الوقت نفسه من مرونة ومشاركة وقدرة على التكيف.

عندما كانت السلطة تعني المسؤولية

ارتبطت القيادة تاريخياً في كثير من مؤسسات المنطقة بالسلطة والمسؤولية والمحافظة على استقرار المؤسسة.

فكان متوقعاً من القائد أن يحدد الاتجاه، ويتحمل مسؤولية القرار، ويحافظ على تماسك المؤسسة واستمراريتها.

وكانت خطوط السلطة واضحة، كما ارتبطت المصداقية القيادية في كثير من الأحيان بالخبرة، والأقدمية، والقدرة على تحمل المسؤولية.

وقد تبدو بعض هذه الممارسات، عند النظر إليها من خلال نماذج القيادة المعاصرة، شديدة الهرمية أو محدودة المشاركة.

لكنها لم تكن تخلو من نقاط قوة.

فوضوح السلطة قد يسرّع اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية يعزز الثقة، والاستمرارية توفر للمؤسسات قدراً من الثبات، خصوصاً في أوقات التغيير.

ولهذا، لا ينبغي فهم أنماط القيادة التي تشكلت في الماضي بمعزل عن الظروف التي أنتجتها.

فهي نشأت في بيئات كان للاستقرار، والمسؤولية، والسمعة، واستمرارية المؤسسة فيها وزن كبير.

عندما اتسعت توقعات القيادة

شهدت العقود الأخيرة تحولات اقتصادية وتنظيمية واسعة في العديد من الدول العربية، رافقها توسع المؤسسات، وزيادة اندماجها في الاقتصاد العالمي، وتسارع التحول الرقمي، وارتفاع الحاجة إلى الابتكار والمرونة.

ومع تغير المؤسسات، تغيرت أيضاً توقعاتها من القادة.

فأصبحت مفاهيم مثل التمكين، والمشاركة، والتدريب والتوجيه، والعمل عبر الإدارات، أكثر حضوراً في الخطاب والممارسة القيادية.

ولم يعد دور القائد يقتصر على تحديد المطلوب ومتابعة تنفيذه.

بل أصبح مطالباً أيضاً ببناء قدرات الآخرين، وإشراكهم، وتهيئة بيئة تسمح لهم بتحمل مسؤوليات أكبر.

لكن ذلك لا يعني أن السلطة فقدت قيمتها.

فالسلطة وحدها قد لا تكفي لبناء مؤسسة مرنة وقادرة على التكيف.

وفي المقابل، قد يؤدي التمكين دون وضوح في الاتجاه أو المسؤوليات إلى التشتت.

وهنا تكمن صعوبة القيادة: ليس في الاختيار بين السلطة والتمكين، بل في معرفة متى يكون كل منهما أكثر ملاءمة.

أجيال جديدة… وتوقعات مختلفة

لا تتغير المؤسسات من خلال الأنظمة والهياكل وحدها.

بل تتغير أيضاً مع دخول أجيال جديدة إلى سوق العمل وتقدمها تدريجياً نحو مواقع المسؤولية.

فكثير من المهنيين الشباب اليوم نشأوا في بيئات تعليمية ومهنية أكثر تنوعاً وانفتاحاً، ويحملون معهم توقعات مختلفة تجاه التواصل، والمشاركة، والتطور المهني، والعلاقة مع السلطة.

وقد يتوقعون مساحة أكبر للحوار، ووضوحاً أكبر في تفسير القرارات، وفرصاً أوسع للمساهمة والتطور.

ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع احترام السلطة القيادية.

بل قد يعني تغير الطريقة التي تُبنى بها هذه السلطة وتُمارس.

فالمصداقية لم تعد تستند إلى الخبرة والموقع الوظيفي وحدهما، بل أصبحت ترتبط أيضاً بقدرة القائد على الاستماع، وإشراك الآخرين، وتطوير من يعملون معه.

من أسلوب ثابت إلى مرونة قيادية

ربما يكون أحد أهم التحولات في فهم القيادة اليوم هو الابتعاد عن فكرة وجود أسلوب واحد يصلح في جميع الظروف.

فالمؤسسات المعقدة لا تعمل بهذه الطريقة.

المواقف تختلف.

والفرق تختلف.

والأولويات تتغير.

ولهذا، يحتاج القائد إلى نطاق أوسع من السلوكيات التي يستطيع توظيفها بحسب ما يتطلبه الموقف.

فهناك أوقات تحتاج إلى الحسم وسرعة القرار.

وأخرى يكون فيها التشاور أكثر فاعلية.

وهناك مواقف تحتاج إلى توجيه واضح، وأخرى يكون دور القائد فيها تمكين الفريق وإفساح المجال أمامه لإيجاد الحلول.

وهنا لا تكمن مرونة القائد في تغيير أسلوبه لمجرد التكيف مع الآخرين.

بل في امتلاك الحكم التقديري الذي يسمح له بمعرفة أي نهج يخدم الموقف والمؤسسة بصورة أفضل.

فالنضج القيادي لا يظهر في الالتزام بأسلوب واحد.

بل في معرفة متى ينبغي استخدام كل أسلوب.

بين الاستمرارية والتغيير

كثيراً ما يُقدم النقاش حول القيادة وكأن علينا الاختيار بين المحافظة على الأساليب التي أثبتت قيمتها، وتبني أساليب جديدة تتناسب مع المؤسسات الحديثة.

لكن الواقع لا يفرض بالضرورة هذا الاختيار.

فالوضوح في السلطة، وتحمل المسؤولية، والمحافظة على استقرار المؤسسة، لا تزال جميعها عناصر مهمة في القيادة.

وفي الوقت نفسه، أصبحت المشاركة، والتمكين، وتطوير الآخرين، والقدرة على التكيف، أكثر أهمية في مؤسسات تعمل في بيئات سريعة التغير.

والقائد الفاعل هو من يستطيع التعامل مع الجانبين.

يحافظ على الاستقرار دون أن يقاوم التغيير.

ويمارس سلطته دون أن يلغي مساهمة الآخرين.

ويحدد الاتجاه، وفي الوقت نفسه يبني قدرة فريقه على تحمل مسؤولية أكبر.

ولهذا، من المرجح ألا تتجه القيادة في المؤسسات في الدول العربية نحو نموذج واحد موحد.

بل نحو نماذج أكثر مرونة تجمع بين ممارسات مختلفة بحسب السياق والموقف.

فالقيادة لا تنتقل ببساطة من القديم إلى الجديد.

بل تتسع.

والمطلوب من القائد ليس أن يستبدل أسلوباً بآخر، بل أن يوسع قدرته على القيادة، وأن يمتلك حسن التقدير لاختيار النهج الأنسب لكل موقف.

لأن القدرة على التكيف، في البيئات المعقدة، ليست أسلوباً قيادياً.

بل كفاءة قيادية.