الذكاء العاطفي في القيادة: أبعد من مهارات التعامل مع الآخرين

يُنظر إلى الذكاء العاطفي اليوم باعتباره أحد الجوانب المهمة في القيادة.

وغالباً ما يرتبط بالوعي بالذات، والتعاطف، وإدارة العلاقات، والقدرة على التعامل بفاعلية مع الآخرين.

ولهذا، يظهر في كثير من أطر الجدارات القيادية باعتباره جدارة يمكن ملاحظتها وتقييمها وتطويرها.

لكن هذا المفهوم كثيراً ما يُختزل في جانب واحد منه.

فالذكاء العاطفي لا يعني أن يكون القائد ودوداً دائماً، أو أن يحافظ على علاقات إيجابية مع الجميع. كما أنه لا يقتصر على أسلوب التواصل أو القدرة على فهم مشاعر الآخرين.

بل يتعلق، في جوهره، بالقدرة على تنظيم الاستجابة، وفهم ما يحدث، واختيار التصرف الأنسب للموقف.

ليس مجرد “مهارة في التعامل مع الناس

من التصورات الشائعة أن القائد الذي يتمتع بذكاء عاطفي مرتفع هو القائد المتفهم، والداعم، والمتعاون، والذي يتجنب خلق التوتر مع الآخرين.

ولا شك أن بعض هذه السلوكيات قد تعكس ذكاءً عاطفياً.

لكنها لا تكفي لتعريفه.

فالقيادة تتطلب أحياناً اتخاذ قرارات صعبة، ومواجهة الخلاف، والتعامل مع مصالح متعارضة، وتقديم تغذية راجعة قد لا يكون من السهل سماعها.

وقد يضطر القائد إلى تحدي فكرة، أو رفض طلب، أو اتخاذ قرار لا يحظى بقبول الجميع.

وهنا لا يظهر الذكاء العاطفي في تجنب المواقف غير المريحة.

بل في القدرة على إدارتها دون الإضرار بالثقة أو وضوح الرسالة.

فالقائد الذي يتمتع بالذكاء العاطفي لا يسعى بالضرورة إلى إزالة التوتر، بل يستطيع التعامل معه باتزان، وفهم ما يحدث حوله، والاستجابة بطريقة تحافظ على المصداقية والعلاقة في الوقت نفسه.

السياق يغير طريقة التعبير

لا يظهر الذكاء العاطفي بالطريقة نفسها في كل بيئة.

فثقافة المؤسسة، والتوقعات الاجتماعية، وطبيعة العلاقات، جميعها تؤثر في الطريقة التي تُفسر بها سلوكيات القائد.

وفي كثير من المؤسسات في الدول العربية، تتداخل العلاقات المهنية مع اعتبارات تتعلق بالهرمية، والمكانة، وبناء الثقة، والحساسية تجاه الإشارات الاجتماعية والثقافية.

وهذا لا يجعل الذكاء العاطفي أكثر أو أقل أهمية.

بل يغير الطريقة التي يُمارس بها.

فالتغذية الراجعة المباشرة، على سبيل المثال، قد تحتاج إلى أن تُقدم بطريقة مختلفة بحسب الشخص والموقف. كما أن التأثير لا يعتمد دائماً على السلطة الرسمية، بل قد يتطلب بناء العلاقات وفهمها والمحافظة عليها مع مرور الوقت.

وقد يكون لتوقيت الرسالة، ونبرة الحديث، والمكان الذي يدور فيه الحوار، أثر لا يقل أهمية عن مضمون الرسالة نفسها.

وحين لا ينتبه القائد إلى هذه التفاصيل، قد يخلق توتراً لم يكن يقصده، حتى عندما تكون رسالته في جوهرها بناءة.

التنظيم قبل الاستجابة

من الجوانب الأقل وضوحاً في الذكاء العاطفي قدرة القائد على تنظيم استجاباته.

فالقادة يعملون تحت الضغط، ويتعاملون مع توقعات متعددة، ويتخذون قرارات في ظل معلومات ناقصة وتبعات كبيرة.

ومن الطبيعي أن تثير هذه المواقف مشاعر مختلفة؛ من الإحباط والقلق إلى الغضب أو التردد.

ولا يتميز القائد الفاعل بغياب هذه الاستجابات.

بل بقدرته على إدارتها قبل أن تتحول إلى سلوك يؤثر في الآخرين.

فالقدرة على احتواء الإحباط، وإدارة القلق، وتجنب الاستجابة الاندفاعية، ليست مجرد مهارات شخصية.

بل لها أثر مباشر في البيئة المحيطة بالقائد.

ففي المواقف سريعة التغير أو مرتفعة المخاطر، تنتقل الإشارات العاطفية من القيادة بسرعة إلى بقية المؤسسة.

وقد يمنح اتزان القائد الفريق قدراً أكبر من الاستقرار ومساحة أوسع للتفكير.

كما قد يؤدي انفعاله المستمر إلى تضخيم حالة من القلق أو عدم اليقين.

ولهذا، فالذكاء العاطفي لا يؤثر في العلاقات الفردية فقط.

بل قد يمتد أثره إلى المؤسسة بأكملها.

قراءة ما لا يقال

لا يتعلق الذكاء العاطفي بتنظيم المشاعر وحده.

بل يتطلب أيضاً القدرة على قراءة المواقف وتفسيرها.

فالقائد يتعامل باستمرار مع ديناميكيات الفرق، وتوقعات أصحاب المصلحة، وردود الفعل داخل المؤسسة.

ولا تكون جميع الإشارات واضحة أو مباشرة.

فقد يظهر التردد في طريقة الإجابة، أو يكشف تغير النبرة عن تحفظ لم يُعبّر عنه، أو تخفي الموافقة الظاهرية مقاومة لم تظهر بعد في الحوار.

والانتباه إلى هذه الإشارات يحتاج إلى وعي وخبرة.

أما تحديد ما تعنيه وكيف ينبغي التعامل معها، فيحتاج إلى حسن التقدير.

وهنا يلتقي الذكاء العاطفي مع النضج القيادي.

فهو ليس مهارة منفصلة يستخدمها القائد عند التعامل مع الآخرين، بل جزء من الطريقة التي يفهم بها المواقف المعقدة ويتخذ قراراته داخلها.

من الجدارة إلى القدرة القيادية

تحاول كثير من المؤسسات إدراج الذكاء العاطفي ضمن أطر الجدارات، وهو ما يساعد على توفير لغة ومعايير أكثر وضوحاً لتقييمه وتطويره.

لكن ذلك يحمل أيضاً تحدياً.

فعندما نختزل الذكاء العاطفي في مجموعة من المؤشرات السلوكية، قد نفقد جزءاً من تعقيده.

فالذكاء العاطفي الحقيقي لا يظهر في موقف واحد أو سلوك منفرد.

بل في الأنماط التي تتكرر مع مرور الوقت، وفي الطريقة التي يستجيب بها القائد لأشخاص ومواقف مختلفة، وخصوصاً عندما يكون تحت الضغط.

ولهذا، لا يمكن تطوير هذه القدرة من خلال دورة تدريبية أو قائمة من السلوكيات وحدها.

بل تحتاج إلى التأمل، والتغذية الراجعة، والممارسة، والخبرة المتراكمة.

ليس مهارة ناعمة

مع ازدياد تعقيد المؤسسات وتنوعها وترابطها، تزداد أهمية قدرة القادة على فهم الأشخاص والعلاقات والسياق الذي يعملون داخله.

فالقائد لا يُطلب منه تحقيق النتائج فقط.

بل أن يحققها من خلال أشخاص، وضمن علاقات، وفي بيئات تحمل توقعات ومصالح مختلفة.

وفي المؤسسات في الدول العربية، حيث تتقاطع التحولات المتسارعة مع أهمية العلاقات والسياق الاجتماعي والتنظيمي، تصبح هذه القدرة أكثر أهمية.

ليس باعتبارها “مهارة ناعمة”.

بل باعتبارها متطلباً أساسياً للقيادة.

فالقيادة لا تتعلق فقط بالقرارات التي يتخذها القائد.

بل أيضاً بالطريقة التي يختبر بها الآخرون أثر تلك القرارات.

وفي المسافة بين الاثنين، يظهر الذكاء العاطفي.