يُنظر إلى التعاقب القيادي عادة باعتباره عملية تستشرف المستقبل.
فتحدد المؤسسات الأدوار القيادية المهمة، وتبحث عن خلفاء محتملين، وتحاول ضمان استمرارية القيادة عندما تحدث التغييرات.
ومن حيث المبدأ، يفترض أن تبدأ هذه العملية قبل وقت طويل من الحاجة إليها.
لكن الواقع مختلف في كثير من الأحيان.
فقد لا يبدأ التفكير الجدي في التعاقب إلا عندما يصبح انتقال أحد القادة وشيكاً. وعندها يتحول التركيز من الاستعداد للمستقبل إلى البحث عمن يشغل المنصب.
والفرق بين الاثنين كبير.
أبعد من البحث عن بديل
كثيراً ما يُختزل التعاقب القيادي في سؤال واحد:
من سيحل محل القائد الحالي؟
وهو سؤال ضروري.
لكنه ليس كافياً.
فالتعاقب الفاعل لا يتعلق بوضع اسم أمام كل منصب قيادي، بل ببناء مجموعة من القادة القادرين، مع مرور الوقت، على تحمل مسؤوليات أكثر تعقيداً.
وهذا يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الوظائف والأشخاص، والتفكير في احتياجات المؤسسة القيادية ككل.
ما القدرات التي ستحتاج إليها المؤسسة في المستقبل؟
كيف يجري تطوير هذه القدرات اليوم؟
وأين توجد الفجوات؟
إذا لم تكن هذه الأسئلة جزءاً من عملية التعاقب، فقد تتحول الخطة إلى استجابة قصيرة المدى لحاجة متوقعة، بدلاً من أن تكون وسيلة لبناء قدرة قيادية مستدامة.
الأداء لا يعني دائماً الإمكانات
من أصعب جوانب التعاقب القيادي تحديد من يمتلك الإمكانات للانتقال إلى مستوى أعلى من المسؤولية.
فغالباً ما يُنظر إلى أصحاب الأداء المرتفع باعتبارهم المرشحين الطبيعيين للمناصب القيادية المستقبلية.
وقد يجتمع الأداء والإمكانات لدى الشخص نفسه.
لكنهما ليسا الشيء نفسه.
فالأداء يعكس مدى نجاح الشخص في مسؤولياته الحالية.
أما الإمكانات، فتعكس قدرته على النجاح في مستوى أعلى من التعقيد والمسؤولية.
وقد يكون شخص ما متميزاً في دوره الحالي، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه مستعد لقيادة نطاق أوسع، أو اتخاذ قرارات أكثر تعقيداً، أو العمل في بيئة تتسم بدرجة أعلى من الغموض.
وعندما لا يكون هذا التمييز واضحاً، قد تمتلئ خطط التعاقب بأشخاص أثبتوا نجاحهم في أدوارهم الحالية، لكنهم لم يُختبروا بعد أمام متطلبات المستوى التالي.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود قصور في قدراتهم.
بل قد يكشف عن قصور في الطريقة التي نحدد بها الإمكانات ونقيمها.
التطوير عملية تراكمية
لا يمكن فصل التعاقب القيادي عن تطوير القادة.
لكن التطوير نفسه كثيراً ما يُختزل في تدخلات منفصلة: برنامج تدريبي، أو ورشة عمل، أو مهمة قصيرة الأجل.
وقد تكون لهذه التجارب قيمة حقيقية.
لكنها لا تعوض عن التعرض المستمر لتحديات القيادة الفعلية.
فإعداد القادة للمستقبل يحتاج إلى خبرات متنوعة، وفرص للمشاركة في بيئات اتخاذ القرار، ومسؤوليات تتجاوز حدود أدوارهم الحالية، وتجارب تضعهم أمام قدر من الغموض والتعقيد.
فالتطور القيادي لا يحدث دفعة واحدة.
بل يتراكم.
ويحتاج إلى الوقت، وإلى تصميم مقصود للخبرات، وإلى بيئة قيادية تمنح الشخص مساحة للتجربة والتعلم وتحمل مسؤوليات أكبر تدريجياً.
وتزداد أهمية ذلك في المؤسسات التي تنمو وتتغير بسرعة، وهو واقع تشهده مؤسسات كثيرة في الدول العربية.
فقد تستطيع المؤسسة أن توسع هيكلها، أو تستحدث قطاعات جديدة، أو تضيف مناصب قيادية خلال فترة قصيرة.
لكن القدرة القيادية لا تنمو بالسرعة نفسها.
لا يتطور القادة بمفردهم
لا تتشكل الإمكانات القيادية في عزلة.
فالطريقة التي يتطور بها القادة المحتملون تعتمد، إلى حد كبير، على القادة الموجودين حولهم.
وهنا لا يقتصر دور القيادات العليا على تحديد أسماء الخلفاء المحتملين.
بل يشمل ملاحظة القدرات الناشئة، ومنح الأشخاص فرصاً تتحدى حدود خبراتهم الحالية، وإشراكهم في مسؤوليات وقرارات أوسع، وتقديم التوجيه والتغذية الراجعة التي تساعدهم على التعلم من تلك التجارب.
ومن دون هذا الدور، قد تبقى خطط التعاقب جيدة على الورق فقط.
فقد يُصنف شخص ما باعتباره “خليفة محتملاً”، ويظل اسمه على الخطة لسنوات، دون أن يحصل على الخبرات التي تجعله أكثر استعداداً عندما تتاح له الفرصة فعلياً.
وهنا تظهر فجوة مهمة بين وجود خطة للتعاقب وبين وجود قادة جاهزين.
من الخطة إلى المنظومة
ربما يكون من المفيد ألا ننظر إلى التعاقب القيادي باعتباره عملية دورية تُجرى مرة أو مرتين في العام.
بل باعتباره جزءاً من الطريقة التي تدير بها المؤسسة مواهبها باستمرار.
فالتعاقب يرتبط بكيفية تقييم المواهب، وتحديد الإمكانات، وتوزيع الفرص، وتطوير القادة، واتخاذ القرارات المتعلقة بالمسارات المهنية.
وعندما تعمل هذه العناصر بصورة مترابطة، يصبح التعاقب جزءاً من عمل المؤسسة اليومي.
أما عندما يُعامل باعتباره مبادرة منفصلة، فقد تتحول الخطة إلى قائمة أسماء يتم تحديثها من حين إلى آخر دون أن يتغير مستوى الجاهزية الفعلي.
فالخطة قد تحدد من نعتقد أنه قادر على القيادة مستقبلاً.
لكن المنظومة هي التي تجعله أكثر استعداداً لذلك المستقبل.
الاستمرارية في بيئات متغيرة
في المؤسسات التي تشهد نمواً وتحولاً متسارعين، تصبح استمرارية القيادة مسألة تتجاوز شغل المناصب الشاغرة.
فالتحولات القيادية حتمية.
قائد ينتقل إلى مسؤولية أخرى.
وآخر يغادر المؤسسة.
وأدوار جديدة تظهر مع توسعها.
والسؤال ليس ما إذا كانت هذه التحولات ستحدث.
بل مدى استعداد المؤسسة لها عندما تحدث.
وهذا الاستعداد لا يبدأ عندما يصبح المنصب شاغراً.
بل في السنوات التي تسبق ذلك.
المسألة هي الجاهزية
في النهاية، لا يتعلق التعاقب القيادي بوجود شخص متاح عندما يحين وقت الانتقال.
بل بوجود شخص جاهز.
شخص يمتلك القدرة على تحمل مسؤولية أكبر، ويفهم المؤسسة والسياق الذي تعمل فيه، ويستطيع التعامل مع مستوى أعلى من التعقيد.
والوصول إلى هذه الجاهزية يحتاج إلى أكثر من تحديد أسماء الخلفاء المحتملين.
يحتاج إلى منظومة تبني القدرة القيادية باستمرار، وتمنح الأشخاص الخبرات التي يحتاجون إليها قبل أن تصبح الحاجة إليهم ملحّة.
لأن اللحظة التي تحتاج فيها المؤسسة إلى قائد جديد ليست اللحظة المناسبة للبدء في إعداده.
فعندما يحين وقت الانتقال، لا تعود الجاهزية شيئاً يمكن بناؤه.
بل تصبح نتيجة لما قامت به المؤسسة قبل ذلك.