أصبحت أطر الجدارات جزءاً أساسياً من ممارسات إدارة وتطوير المواهب في كثير من المؤسسات.
فهي تساعد على تحديد ما تتوقعه المؤسسة من قادتها وموظفيها، وتوفر لغة مشتركة لوصف الأداء، وتضع معايير يمكن الاستناد إليها في التقييم والتطوير واتخاذ القرارات المتعلقة بالمواهب.
لكن وجود إطار واضح للجدارات لا يعني بالضرورة أن القرارات المبنية عليه ستكون أكثر دقة.
فقد تستثمر المؤسسة وقتاً وجهداً كبيرين في تحديد الجدارات، وصياغة المؤشرات السلوكية، وتصنيف مستويات الإتقان، ثم تجد أن الإطار لا يغير كثيراً من جودة القرارات التي تُتخذ فعلياً.
وهنا لا تكمن المشكلة عادة في غياب الهيكل أو التفاصيل.
بل في المسافة بين تعريف الجدارة وفهم ما تعنيه عند تطبيقها.
دقة تبدو أكبر مما هي عليه
تحاول أطر الجدارات تحويل مفاهيم معقدة إلى سلوكيات يمكن ملاحظتها وتقييمها.
فيُترجم التفكير الاستراتيجي إلى مجموعة من المؤشرات السلوكية، ويُعرّف التواصل من خلال ممارسات محددة، وتُصاغ متطلبات القيادة في صورة جدارات ومستويات للإتقان.
وهذا يمنح التقييم قدراً مهماً من التنظيم والاتساق.
لكنه قد يمنحنا أيضاً شعوراً بأننا نقيس السلوك بدقة أكبر مما تسمح به طبيعته.
فالقيادة لا تُمارس من خلال سلوكيات منفصلة.
والجدارات لا تعمل بمعزل عن بعضها بعضاً.
كما أن السياق، والتوقيت، وطبيعة الموقف، جميعها تؤثر في معنى السلوك الذي نراه.
فقد يكون القائد قادراً على التواصل بفاعلية في موقف معين، ويجد صعوبة في ذلك أمام مجموعة مختلفة من أصحاب المصلحة. وقد يظهر التفكير الاستراتيجي بصورة مختلفة في مؤسسة مستقرة عما يظهر عليه في مؤسسة تمر بتحول سريع.
وعندما نحاول اختزال هذه الاختلافات في تعريفات شديدة الصرامة، قد نبسط واقعاً أكثر تعقيداً مما يوحي به النموذج.
فنحصل على إطار متماسك على الورق، لكنه أقل قدرة على تفسير ما يحدث في الواقع.
عندما تتحول أطر الجدارات إلى قوائم
لا تتعلق المشكلة دائماً بطريقة تصميم أطر الجدارات.
بل بطريقة استخدامها أيضاً.
فمع مرور الوقت، قد تتحول الأداة التي وُضعت لدعم الحوار والتقييم إلى مجموعة من الخانات التي ينبغي استكمالها.
يصبح التقييم عملية لإعطاء الدرجات.
وتتحول مناقشات التطوير إلى نقاش حول مستوى الجدارة.
وينشغل المدير باستكمال النموذج بدلاً من محاولة فهم ما تكشفه السلوكيات عن قدرات الشخص وإمكاناته.
وهنا يبدأ إطار الجدارات بفقدان الغاية التي صُمم من أجلها.
فمن المفترض أن تدعم أطر الجدارات الحكم التقديري، لا أن تحل محله.
وعندما تتحول إلى قوائم جامدة، قد تمنح شعوراً بالموضوعية دون أن تؤدي بالضرورة إلى فهم أعمق للأداء أو الإمكانات.
وتزداد أهمية ذلك في المؤسسات الكبيرة أو سريعة النمو، حيث تصبح الحاجة إلى توحيد الممارسات ووضع معايير واضحة أمراً ضرورياً.
لكن التحدي يبقى في تحقيق الاتساق دون الوقوع في الجمود.
السياق أهم من المسمى
قد تحمل الجدارة نفسها معاني مختلفة باختلاف المؤسسة والدور والبيئة التي يعمل فيها القائد.
لنأخذ إدارة أصحاب المصلحة مثالاً.
في مؤسسة ما، قد تعني هذه الجدارة التنسيق الفاعل بين مجموعة من الأطراف ذات الأدوار الواضحة.
وفي مؤسسة أخرى، قد تتطلب التعامل مع شبكة معقدة من العلاقات، والتأثير دون سلطة مباشرة، وفهم حساسيات متعددة لا تظهر في الهيكل التنظيمي الرسمي.
وينطبق الأمر نفسه على اتخاذ القرار.
فبعض المؤسسات تمنح القائد مساحة واسعة للاستقلالية، بينما تعتمد مؤسسات أخرى بدرجة أكبر على التشاور والمواءمة قبل اتخاذ القرارات المهمة.
إذا استخدمنا التعريف نفسه للجدارة في الحالتين، دون فهم هذا الاختلاف، فقد نقيم السلوك دون أن نفهم الظروف التي شكلته.
وهنا تفقد بعض أطر الجدارات ارتباطها بالواقع.
ليس لأن الجدارة نفسها غير مهمة، بل لأن تعريفها بمعزل عن السياق لا يكفي لفهم ما تعنيه داخل المؤسسة.
من التعريف إلى التفسير
المؤسسات التي تستفيد فعلياً من أطر الجدارات لا تتعامل معها باعتبارها إجابات جاهزة.
بل كنقاط مرجعية تساعد على طرح أسئلة أفضل.
فالإطار يوجه الحوار، لكنه لا يحدد النتيجة مسبقاً.
ويبحث المقيم أو المدير عن الأنماط المتكررة بدلاً من الاعتماد على موقف واحد، ويفسر السلوك في سياقه، ويميز بين ما يظهر على السطح وما قد يكشف عن قدرة أعمق.
وهذا يتطلب أكثر من إطار جيد.
يتطلب أيضاً مديرين ومقيمين يمتلكون القدرة على الملاحظة، وطرح الأسئلة، وربط الأدلة، وفهم الفروق الدقيقة بين السلوك والقدرة الكامنة وراءه.
وبذلك، ينتقل إطار الجدارات من وثيقة ثابتة تصف السلوك المطلوب إلى أداة تساعد المؤسسة على التفكير بصورة أفضل في مواهبها.
هل نقيس ما يهم فعلاً؟
في النهاية، لا تكمن قيمة إطار الجدارات في عدد الجدارات التي يتضمنها، ولا في دقة صياغة مؤشراته السلوكية.
بل في القرارات التي يساعد المؤسسة على اتخاذها.
هل يساعدنا على التمييز بصورة أفضل بين مستويات الأداء؟
هل يكشف عن الإمكانات القيادية التي تستحق الاستثمار؟
هل يجعل حوارات التطوير أكثر عمقاً وفائدة؟
وهل يحسن فعلاً جودة قرارات الاختيار والترقية والتعاقب الوظيفي؟
إذا لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فقد يكون من المفيد إعادة النظر في الإطار، أو ربما في الطريقة التي نستخدمه بها.
فتعريف الجدارات ليس الجزء الأصعب.
الأصعب هو التأكد من أننا نقيس ما يهم فعلاً.
ومع ازدياد حجم المؤسسات في الدول العربية وتعقيدها وطموحاتها، يصبح هذا التمييز أكثر أهمية.
فالأطر تمنحنا الهيكل.
لكن حسن التقدير هو ما يمنحها قيمتها.